محمد متولي الشعراوي
351
تفسير الشعراوي
السماء دونما تعب منهم . . ولكنهم لعدم ايمانهم بالغيبيات يريدون الأمر المادي وهم يخافون أن ينقطع المنّ والسلوى عنهم يوما ما فماذا يفعلون ؟ لو كانوا مؤمنين حقا لقالوا : إن الذي رزقنا بالمن والسلوى لن يضيعنا . . ولكن الحق جل جلاله ينزل لهم طعامهم يوميا من السماء وهم بدلا من أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر قابلوها بالجحود . وقوله تعالى : « وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » فالحق سبحانه وتعالى يتحدث للمرة الثالثة عن ظلم قوم موسى . . ففي المرة الأولى قال « وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ » . وفي الآية الثانية قال : « ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ » . . وفي هذه الآية قال : « وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » . . ولقد سبق أن قلت إنه لا أحد يستطيع أن يظلم اللّه لأن اللّه سبحانه وتعالى باق بقدرته وقوته وعظمته . . لا يقلل منها لو كفر أهل الأرض جميعا ولا يزيد فيها لو آمن أهل الأرض كلهم . فقدرة اللّه باقية وكلمته ماضية . . ولكن نحن الذين نظلم أنفسنا . . بأن نوردها مورد التهلكة والعذاب الذي لا نجاة منه دون أن نعطيها شيئا . . إن الدنيا كما قلنا عالم أغيار . والنعمة التي أنت فيها زائلة عنك . إما أن تتركها بالموت أو تتركك هي وتزول عنك . . وتخرج من الدنيا تحمل اعمالك فقط . . كل شئ زال وبقيت ذنوبك تحملها إلى الآخرة . . ولذلك فإن كل من عصى اللّه وتمرد على دينه قد ظلم نفسه لأنه قادها إلى العذاب الأبدي طمعا في نفوذ أو مال زال بعد فترة قصيرة ولم يدم . . فكأنه ظلمها بأن حرمها من نعيم أبدى وأعطاها شهوة قصيرة عاجلة » .